كيف أسّس انتصار تموز لنهاية الاعتماد الأميركي على حروب “إسرائيل”؟

“إسرائيل” المتّفق على تسميتها بأنها قاعدة أميركية في الشرق الأوسط، ربما تكون أرخص حاملة طائرات أميركية، كما يصفها بعض الاستراتيجيين الإسرائيليين الذين يدعون إلى زيادة الدعم الأميركي لإسرائيل مقابل الخدمات التي تقوم بها في المنطقة لمصلحة الاستراتيجية الأميركية في الهيمنة على الشرق الأوسط أثناء الحرب الباردة وبعدها.

الحرب الإسرائلية التي أدّت إلى هزيمة الدول العربية العام 67، هي التي قلبت هذه الدول إلى المعسكر الأميركي الذي كافأ “إسرائيل” باشتراط المرور في تل أبيب إلى واشنطن ذهاباً وإياباً وتثبيت الهزيمة العسكرية بهزيمة سياسية عنواناً للاستسلام والانهيار.
الحرب الإسرائيلة لهزيمة المقاومة والقضاء على حزب الله في نيسان/أبريل العام 1996، كشفت عجز “إسرائيل” عن تحقيق الدور العسكري الذي أوكلته إليها أميركا والدول الغربية وما يسمى محور الاعتدال العربي في مؤتمر شرم الشيخ وقتذاك في المراهنة على إزالة حاجز إيران ومحور المقاومة أمام سلام “كامب ديفيد”، الذي وصفه أحد أقطاب هذا السلام، شمعون بيريز، بأنه “الشرق الأوسط الجديد”، حيث يمكن منح الفلسطينيين إدارة ذاتية.
لكن فشل الحرب الإسرائيلية في الميدان ضد المقاومة، أنتج الفشل السياسي للمراهنات الأميركية – الغربية على تطويع إيران ومحور المقاومة، وأدى إلى توازن الردع المعروف “بتفاهم نيسان” لتحييد المدنيين في لبنان مقابل تحييد المدنيين في فلسطين المحتلة.
التصعيد الأميركي في تغيير المعادلات الدولية لمصلحة جورج بوش، فتح شهية المحافظين الجدد لتغيير التوازنات الإقليمية باتجاه “الشرق الأوسط الجديد”، بحسب تعبير كونداليزا رايس، في احتلال العراق والمراهنة على استسلام سوريا وخنق إيران.
وفي هذا السياق أخذت “إسرائيل” على عاتقها الحرب ضد المقاومة أملاً بالقضاء على قيادة وكوادر حزب الله وترحيل بيئته الحاضنة إلى إيران، بحسب دعوة المندوب الأميركي في الأمم المتحدة وقتها جون بولتون.
لكن فشل “إسرائيل” في هذه الحرب عام 2006 حمل معه فشل مراهنات أميركا وحلفائها في الدول الغربية والعربية الداعمة للحرب، وأنتج منذ انتصار تموز توازن الرعب الذي أفقد “إسرائيل” زمام المبادرة، وولّى بذلك زمن الهزائم، كما قال السيد حسن نصر الله.
ما يكشفه انتصار المقاومة في تموز مع مرور الوقت، أن “إسرائيل” القاعدة العسكرية الأميركية فقدت أوراق اعتمادها العسكرية في السعي لإخضاع المقاومة للهيمنة الأميركية بالحرب، وإخضاع إيران بالقضاء على محور المقاومة في لبنان وسوريا والعراق وفلسطين المحتلة وفي اليمن.
فقد كان ردّ باراك أوباما عندما طالبه نتنياهو بالعدوان على سوريا والحرب ضد إيران، معبّراً عن هذا التحوّل في قوله “لا تمنعك أميركا من العمل العسكري لكنها لا تقوم مكانك بما عليك أن تقوم به”.
على الرغم من دعم ترامب غير المسبوق لإسرائيل، لا تعوّل أميركا على نتنياهو لخوض الحرب ضد إيران وضد محور المقاومة في سوريا ولبنان والعراق. ولا تراهن على الحرب الإسرائيلية للهيمنة الأميركية في المنطقة. فبينما يدعو ترامب حلفاءه العرب والغربيين للحرب ضد إيران واعداً بمساعدتهم، يدعوه الحلفاء وإسرائيل إلى أن يسبقهم للحرب لكي يساعدوه من الخلف.
يبدو أن المأزق الإسرائيلي في العجز عن الحرب ضد حزب الله بعد تحقيق توزان الرعب بتداعيات انتصار حرب تموز، هو نفسه المأزق الأميركي في العجز عن الحرب ضد إيران بسبب توازن الرعب والتهديد الإيراني بحرب شاملة ضد القواعد والمصالح الأميركية في المنطقة. فمن موقع الندّية تفرض إيران على ترامب معادلات المضيق مقابل المضيق والنفط مقابل النفط والأمن مقابل الأمن، ومن موقع الندّية تفرض إيران ومحور المقاومة على أميركا ترامب الرعب مقابل الرعب، كما فرض حزب الله انتهاء المراهنة الأميركية على الحروب الإسرائيلية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*